السلطة التي تشبهنا

حسام جزماتي
ما إن وصلت القيادة الجديدة إلى الحكم في دمشق حتى واكبتها شعارات وعبارات وكلمات صبّت في خانة تأييدها، شارك في صياغتها مصرّحون رسميون، ومؤثرون على وسائل التواصل، وأفراد مجهولون التقطوا اللحظة وعبّروا عنها بطريقة لاقت قبولاً واسعاً وانتشاراً كبيراً.
ومن هذه التعبيرات كلمة «بيشبهنا»، وأخواتها «بتشبهنا» و«بيشبهونا»، التي أُطلقت على رئيس المرحلة أحمد الشرع، وعلى الحكومة ووزرائها، وعلى قوات الجيش الجديد والأمن العام (الداخلي)، وعلى شخصيات ومعالم من السلطة.
وقد بدا واضحاً أن مطلقي هذه الأوصاف، المرتاحة للتغيير الحاصل، هم من العرب السنّة الذين يتشكل منهم عصب هذا العهد وأغلبية ساحقة من أنصاره. وقد عبّرت هذه المفردة بالذات عن حجم الاغتراب الذي كانت تعيشه هذه الأكثرية عن حكم البعث، وأساساً في حقبته الأسدية التي تجلى افتراقها عن «هذا المجتمع» في طبقات عديدة؛ أظهرها الطائفي عن الأغلبية السنّية، والريفي عن أبناء العاصمة والمدن الكبرى، والاشتراكي -الناصل مع الزمن- عن التجار وكبار الملاك والحرفيين والمهنيين، والتقدمي عن التقليدي، والعلماني عن المحافظ، وهكذا.
لم يعنِ هذا أن شرائح أو أفراداً من شتى البيئات السورية لم تشارك في السلطة، لكنه اقتضى أنه كان عليها أن تخلع جزءاً مما هي عليه لتتماهى، أو تتقارب، مع النموذج الطاغي الحاكم، فضلاً عن حصتها المحدودة من المناصب الفاعلة. ولذلك شعرت هذه البيئات أنها غير ممثلة بهويتها الأصلية الصريحة، وأن مندوبيها في أعلى مستويات السلطة أشخاص منسلخون إلى هذه الدرجة أو تلك.
وبما أن الأمور قد آلت، سواء أأعجبنا ذلك أم لا، إلى أن يُعدّ سقوط نظام الأسد نصراً للسنّة، بما هم كذلك، على «الحكم العلوي» المدعوم من «تحالف الأقليات» كما يقال؛ فإن من يشبه الجموع المغتبطة لا بد أن يجسّد هويتها بالمعنى العام الشائع. فيكون له حضور في الجوامع واحترام للمشايخ، واتصال بالقيم العربية والإسلامية «الأصيلة» والدول التي تمثلها في المحيط، وميل إلى حرية الاقتصاد وعالم الأعمال. تدل هذه المقدمات على أن هذا الحكم، في نظر جمهوره، مؤتمن على البلاد، من قمة هرمه حتى أبسط عناصره على الحواجز.
على هذا تتأسّس مفاهيم يستخف بها أنصار العهد الجديد، إذ يرونها «تنظيراً» من مثقفين متغرّبين متفضّين، كالمواطنة والتمثيل العادل والمساواة أمام القانون نظرياً وعملياً، والاستناد إلى عقد اجتماعي مكين يأتي نتيجة لحوار وطني حقيقي وشامل
لكن حكم الأسدين لم يكن مجرداً من جمهور! إذ إنه شابه أناساً آخرين كانوا يشعرون بالألفة عندما يزورون أحد الأعمام في قيادة الأركان مثلاً، أو أخاً في أحد فروع الأمن، أو ابن ضيعة في مكتبه المهيب في إحدى الوزارات المعتبرة. وكان هؤلاء يشبهونهم تماماً مثلما ربما يشبهنا من حلّوا مكانهم.
وفي السعي لرصّ الصفوف حول الجيش، خلال السنوات الأولى للثورة، أنتج إعلام النظام ما أسماه «أوبريتاً»، دأب على بثه باستمرار، بعنوان «هاد جيش الوطن»، وتأتي الجملة التي تعقبها «هاد منّا وفينا»، فيما تكرر اللازمة: «هاد خيّي وخيّك/ بيّي أنا وبيّك». ومما لا شك فيه أن عدداً من السوريين شعروا، وقتئذ، أن هذه الأغنية تعبّر عن واقع حالهم نتيجة لانتمائهم إلى بيئاتٍ أو أُسرٍ معسكرة توزع أفرادها على مناطق شتى على الأراضي السورية، وسقط منهم قتلى من الإخوة أو الأقارب.
ما تريد هذه السطور قوله هو أن معيار الشبه لا يتمتع بأدنى درجات الموضوعية، ناهيك عن أن يكون أسّاً صالحاً لبناء الدول أو إعادة إعمارها الرسمي الحكومي. فهو لا يعني أكثر من أن جماعات أهلية تتبادل السيطرة على البلد، بطرق لا تنتمي إلى التداول السياسي للسلطة، فتنثر من يشبهها في مفاصل القيادة، وتبث ما يشبهها من أفكار في الإعلام والتعليم، وتنسج علاقات خارجية وثيقة وتوقّع معاهدات إستراتيجية مع دول تشبهها، وصولاً إلى «سوريا اللي بتشبهنا». فيتغير وجه البلاد مع كل انقلاب في طاقم الحكم، لأنه لا أحد يبقى إلى الأبد ولا إلى يوم القيامة، وتتبدل المواقع بين من يمثل «الدولة» في هذه المرحلة وبين من يقع عليه وصف العصابات المتمردة. فيمتنع التراكم أو يتقلص إلى حدوده الدنيا، وتنقض البلد غزلها أنكاثاً كل بضع سنوات أو عدة عقود في الحالات الاستثنائية.
على هذا تتأسّس مفاهيم يستخف بها أنصار العهد الجديد، إذ يرونها «تنظيراً» من مثقفين متغرّبين متفضّين، كالمواطنة والتمثيل العادل والمساواة أمام القانون نظرياً وعملياً، والاستناد إلى عقد اجتماعي مكين يأتي نتيجة لحوار وطني حقيقي وشامل. وإلا فإن سكرة النصر لن تؤدي إلا إلى التمييز لصالح فئة متغلبة، سواء أكانت أكثرية أم أقلية، يراكم الشعور بالمظلومية لدى الفئة/ الفئات المهمشة فيدفعها إلى تحيّن الفرصة للثورة أو الاستعانة بطرف خارجي داعم. ومن البديهي أن ثمن هذه الدورات الارتدادية من السيطرة دماء حقيقية وخراب فعلي لا مجرّد عنتريات معنوية لفظية.
وقد اقتصرنا، في الترسيمة السابقة، على افتراض أن السوريين معسكران. وهو ما لا يعززه واقع التعدد القومي والطائفي في البلاد. مما يؤدي إلى أن بعض الجماعات لم تشعر أن هناك من يشبهها في حكم البلاد لا سابقاً ولا حالياً. ولن يكون الحل بأن تفرض نفسها طرفاً ثالثاً أو رابعاً في الصراع لفرض من «يشبهها» هي الأخرى، بل بالاتفاق على قيادات تلتقي فيها التوازنات، فلا تشبه أحداً بعينه وتشبه الكل.