الاقتصاد اليومي في سوريا.. السوق السوري الشعبي فضاء للتلاقي الاقتصادي والاجتماعي

طالب الدغيم
في قلب المدن السورية القديمة في دمشق وحلب وحماة وحمص ودير الزور والرقة وغيرهن، تمتد أسواق شعبية تعجّ بالحياة، تختلط فيها روائح التوابل مع أصوات الباعة، وحركة المتسوقين.
وقد غدت هذه الأسواق جزءاً حيّاً من الذاكرة الاجتماعية والتاريخية؛ إذ تعكس ملامح الحياة اليومية والاقتصاد المعيشي للسوريين عبر القرون. ومن سوق الحميدية الشهير في دمشق الذي يختزن قروناً من التاريخ، مروراً بسوق خان الحرير العريق في حلب، وصولاً إلى الأسواق الشعبية في دير الزور والرقة على ضفاف الفرات، لعبت هذه الأسواق التقليدية دوراً محورياً في بناء شبكات التبادل التجاري والاجتماعي والثقافي، كما أنها جمعت مختلف فئات المجتمع، وعايشت تقاطعات السياسة والاقتصاد المحلي والعالمي على مرّ العصور.
– الأسواق التقليدية في سوريا: معالم تجارية واجتماعية تاريخية
منذ سنين طويلة، شكّلت الأسواق السورية القديمة القلب النابض للمدينة، فهي فضاءات نابضة بالحياة تلتقي فيها الأيادي والعقول، وتتبادل فيها المصالح والسلع والأخبار، وتُعزَّز عبرها الروابط بين مختلف فئات المجتمع. ولقد كانت السوق ساحة يومية للتلاقي، ومرآةً تعكس نبض الحياة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.
يعد سوق الحميدية في دمشق نموذجاً بارزاً للأسواق التاريخية في المنطقة. ويتميز هذا السوق المغطى بسقف معدني تترقرق منه أشعة الشمس بأنه أشبه بمدينة تجارية داخل المدينة القديمة. وقد تأسس في عهد السلطان العثماني عبد الحميد الأول عام 1780م، واكتسب اسمه “الحميدية” نسبةً إليه. ويمتد السوق بجوار قلعة دمشق وحتى ساحة الجامع الأموي، وتصطف على جانبيه مئات المحال التي تعرض مختلف البضائع. ويجد الزائر في الحميدية كل ما يخطر على البال من سلع تقليدية وحديثة، من المصوغات والنسيج اليدوي والعطور الشرقية إلى الألبسة الجاهزة والحلويات الشامية الشهيرة. ولطالما كان هذا السوق وجهة أساسية للقوافل التجارية قديماً، وما زال حتى اليوم نابضاً بالحياة يستقطب السوريين من كل المحافظات، والزائرين العرب والأجانب على حد سواء.
وفي شمال سوريا، برز خان الحرير في حلب كواحد من أهم الأسواق الأثرية في المدينة القديمة. وقد بُني في القرن السادس عشر ليكون مركزاً لتجارة المنسوجات الحريرية التي اشتهرت بها حلب لعصور. ويضم الخان ساحات واسعة وحوانيت حجرية تروي عراقة فن العمارة والتجارة ذلك الزمن. وقد كان محطة رئيسية على طريق الحرير، تلتقي فيه قوافل التجار القادمين من المناطق المجاورة ومختلف أنحاء الشرق. وظل خان الحرير عبر تاريخه ملتقى للتبادل التجاري بين الشرق والغرب، ومع جهود الترميم الحالية بعد أضرار الحرب، يعود تدريجياً لأداء دوره كمركز تجاري وتراثي نابض بالحياة.
وأما في شرق البلاد، فإن الأسواق الشعبية في دير الزور تجسّد تلاحم المدينة والريف في النشاط الاقتصادي. حيث تأسست أسواق دير الزور القديمة في أواخر العهد العثماني (نحو 1865) كمركز تجاري يخدم سكان المدينة والبادية في المنطقة الشرقية من سوريا. وقد تألفت من مجموعة أسواق متجاورة حمل كل منها اسم الحرفة أو البضاعة التي يختص بها (كالعطارين والحدادين والأقمشة وغيرها)، مما
جعلها عصب التجارة المحلية آنذاك. وكانت هذه الأسواق المسقوفة نقطة اِلتقاء يومية بين الفلاحين القادمين من القرى المجاورة لبيع منتجاتهم، وأهل المدينة الذين يقصدونها لتأمين احتياجاتهم من تلك البضائع والمواد المصنعة محلياً. وهكذا نشأت شبكة تبادل حيوية ربطت بين الريف والمدينة في دير الزور، وأسهمت في تعزيز التكافل الاقتصادي والاجتماعي ضمن المجتمع المحلي.
أجواء السوق الشعبية تفرض نوعاً من التكافؤ؛ حيث يجتمع الغني والفقير في تجربة اجتماعية واحدة أساسها تبادل المنافع والتواصل الإنساني.
– السوق والطبقات الاجتماعية: لقاء وتفاعل بين فئات المجتمع
لطالما مثّلت الأسواق الشعبية ملتقى لمختلف الطبقات الاجتماعية في سوريا، فالتجار أصحاب المحلات الكبيرة شكّلوا عبر الزمن طبقة مرموقة لها وزنها الاقتصادي، إذ تناقلت بعض العائلات مهنة التجارة عبر الأجيال وراكمت خبرة وثروة جعلتها من وجهاء المدينة. وفي المقابل، يعمل في السوق أيضًا صغار الكَسَبة والحرفيين الذين يعرضون منتجاتهم المتواضعة على البسطات أو يصنعون البضائع في الورش التقليدية. وإن هؤلاء يشكّلون العمود الفقري لحركة السوق اليومية، من خبّازين وخيّاطين ونحّاسين إلى حمّالين ينقلون البضائع في الأزقة الضيقة. ويتعايش في ظل السوق البائع الثري الذي يملك دكانًا مترفًا إلى جانب البائع البسيط الذي يكسب قوت يومه من عربة أو بسطة متنقلة، مما يجعل السوق مساحة اقتصادية يتشارك فيها الجميع.
أما الزبائن، فيأتون من جميع الشرائح؛ فالأسواق ترحّب بالجميع بغض النظر عن مواقعهم الاجتماعية. فهناك ربّة المنزل التي تتبضّع الخضار والتوابل، ورجل الأعمال يبحث عن هدية تراثية فاخرة، والموظف البسيط يساوم للحصول على سعر مناسب لملابس أطفاله. وقد يلتقي في السوق الفلاح القادم من الريف ليشتري أداة زراعية بجانب صاحب متجر كبير جاء ليستطلع بضائع جديدة. وهذا الاختلاط اليومي يكسر الحواجز بين الفئات؛ فالجميع يتساوون في كونهم مشترين وبائعين تجمعهم حاجة متبادلة. وبمرور الوقت تنشأ علاقات خاصة في السوق؛ زبون معتاد يصبح أشبه بصديق للبائع، والتاجر يعرف أفراد عائلات زبائنه ويوفّر لهم ما يلزمهم خصيصًا. وكما أن ثقافة المساومة والتواصل المباشر في الأسواق السورية كرّست شعوراً مجتمعياً بأن السوق فضاءٌ مفتوح للجميع. ورغم التفاوت الاقتصادي خارج السوق، فإن أجواء السوق الشعبية تفرض نوعاً من التكافؤ؛ حيث يجتمع الغني والفقير في تجربة اجتماعية واحدة أساسها تبادل المنافع والتواصل الإنساني. وبالإضافة إلى ذلك، لطالما كان السوق الشعبي بمنزلة منبر يومي لتناقل الأخبار والقصص؛ فالقادمون من خارج المدينة يجلبون حكاياتهم وأخبارهم إلى أهل السوق، فتنتشر من هناك إلى أرجاء المدينة كصحيفة مفتوحة تنقل أحوال المجتمع واتجاهاته وآراءه.
الاقتصاد اليومي البسيط الذي يدور في السوق هو مرآة للتاريخ الاجتماعي والثقافي ذاته، فهو يعكس تقاليد راسخة، وترابط اجتماعي، وقدرة على مجاراة التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية الكبرى.
– السياسة والاقتصاد: صدى التحولات التاريخية في الأسواق
لم تغب السياسة والاقتصاد الكلي عن أجواء الأسواق السورية تاريخياً، بل كانت تلك الأسواق مرآة تعكس التحولات السياسية والأمنية الكبرى في البلاد. وفي العهد العثماني كان ازدهار الأسواق نتيجة استقرار الحكم، واتساع رقعة التجارة في ظل سلطنة إسلامية مترامية الأطراف، وكما نظّمت السلطات العثمانية شؤون السوق عبر تعيين المحتسبين لضبط الأسعار والجودة، وتقسيم الأسواق إلى خانات وقطاعات بحسب الحرف لضمان حسن الإدارة. وكما انفتحت الأسواق على بضائع من أصقاع العالم، فوجدت السلع المستوردة
من الهند وفارس وأوروبا طريقها إلى رفوف الدكاكين جنبًا إلى جنب مع المنتجات المحلية، مما خلق تنوّعاً ثقافياً واقتصادياً انعكس في حياة الناس اليومية.
خلال فترة الانتداب الفرنسي بين الحربين العالميتين، دخلت تأثيرات جديدة إلى الأسواق السورية. وقد حاولت الإدارة الفرنسية إدخال أنماط حديثة إلى الاقتصاد والعمران، فانتشرت بعض المتاجر ذات الطراز الأوروبي في مراكز المدن. وكذلك تدفّقت البضائع الأوروبية المصنَّعة إلى الأسواق التقليدية، مثل الأقمشة والمواد الغذائية المعلبة والأدوات المنزلية، فازدحمت رفوف المحلات بالمنتج الأجنبي بجوار المحلي. في الوقت نفسه، شهدت الأسواق حراكاً وطنياً ضد المستعمر؛ إذ تحوّلت أماكن كسوق الحميدية إلى ساحات تظاهر وخطابة خلال الثورات الشعبية. ويذكر التاريخ أن طائرات فرنسية قصفت سوق الحميدية أثناء ثورة 1925، فثقبت رصاصاتها سقفه المعدني، لتبقى تلك الثقوب شاهداً صامتاً على تلاحم التجارة والسياسة في ذاكرة المكان.
شهدت الاقتصاديات العالمية بدورها انعكاساً واضحاً في الأسواق الشعبية السورية. فالكساد الكبير والأزمات العالمية والحروب كانت تؤدي إلى ارتفاع الأسعار أو نقصان بعض السلع في الأسواق، بينما فترات الرخاء وانفتاح التجارة جلبت وفرة في البضائع ورواجاً في الحركة التجارية. وبعد الاستقلال، استطاعت الأسواق السورية الشعبية التكيّف مع موجات التحديث والعولمة الاقتصادية؛ فاستمرت جنباً إلى جنب مع ظهور المتاجر العصرية، واستوعبت السلع الجديدة من غير أن تفقد هويتها الأصلية. وحتى خلال الثورة السورية، وما تبعها من دمار لعدد من الأسواق التاريخية (كما حدث في أجزاء من سوق حلب القديم وسوق دير الزور وأسواق حمص القديمة وغيرها)، لم يغب الأمل في إعادة إعمارها، وافتتاح الحوانيت من جديد. وبعد سقوط النظام السوري في ديسمبر عام 2024م، وخلال فترة الأشهر التي تلت سقوطه، بدأت تظهر مبادرات محلية وعربية وأممية حثيثة لعمارة وإحياء تلك الأسواق كرمز للهوية التاريخية للشام، وبدأ العديد من التجار العودة لمزاولة أعمالهم بين الأزقة المدمرة، وهو بداية لعودة السوق الشعبي لدور الاقتصادي والاجتماعي.
تمثل الأسواق الشعبية في سوريا جزءاً أصيلاً من تاريخ المجتمع السوري وثقافته الاقتصادية. فهذه الأسواق هي أماكن للبيع والشراء، وذاكرة حية تنطق بقصص الناس، وأنماط عيشهم عبر الزمن؛ تحت سقوفها القديمة تقاسمت أجيال من السوريين لقمة العيش، وتبادلوا السلع والأحاديث، وفي جنباتها تفاعلت طبقات المجتمع، وتكيّفت مع ظروف متغيرة من رخاء أو شدة. وحين نسير اليوم في سوق تقليدي كسوق الحميدية، أو نتجوّل في خانات حلب رغم صدمة الدمار، فإننا نلامس تراثاً اجتماعياً ينبض في الحاضر. وهذا الاقتصاد اليومي البسيط الذي يدور في السوق هو مرآة للتاريخ الاجتماعي والثقافي ذاته، فهو يعكس تقاليد راسخة، وترابط اجتماعي، وقدرة على مجاراة التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية الكبرى. وهكذا ستبقى الأسواق الشعبية السورية كما حال الأسواق العربية في القاهرة وبغداد وصنعاء والقيروان والجزائر والرباط ومكة المكرمة، بما تحمله من روح أصيلة رمزاً حياً لذاكرة البلد الاجتماعية، ومرآة تعكس ماضيه وحاضره في آن واحد.